السيد محسن الأمين
86
أعيان الشيعة ( الملاحق )
إليهم بالنذر وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح الا لله وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك ولا يقبل من العمل الا ما كان خالصا كما قال تعالى : ( فاعبدوا [ فَادْعُوا ] اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ و الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) فأخبر سبحانه انه لا يرضى من الدين الا ما كان خالصا لوجهه وأخبر ان المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر انه لا يهدي من هو كاذب كفار وقال تعالى : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ إلى قوله سبحانه وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فأخبر انه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك ان الشفاعة كلها لله ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ . يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) وهو لا يرضى الا التوحيد « 1 » ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) فالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا الا من الله كما قال ( وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً . وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ) فإذا كان الرسول ( ص ) وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع الا بإذن الله لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر لله ساجدا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من العلماء المسلمين بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم واما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها واسراجها والصلاة عنده واتخاذها أعيادا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي ( ص ) أمته وحذر منها كما في الحديث : لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان وهو ( ص ) حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر وان يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وثبت فيه أيضا انه بعث علي بن أبي طالب وامره ان لا يدع قبرا مشرفا الا سواه ولا تمثالا الا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القباب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ( ص ) فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس وهو الذي ندعو الناس اليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله ( ص ) وإجماع السلف الصالح من الأمة ممتثلين لقوله تعالى : ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ( إلى أن قال ) ونعتقد أيضا ان أمة محمد المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة وانه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك انتهى . ( والجواب ) عما تضمنه هذا الكتاب مما روي عنه ( ص ) من اتباع هذه 86 الأمة سنن الأمم قبلها كاليهود والنصارى انه لا يبعد ان يكون النبي ( ص ) أشار به إلى الوهابية فأولئك اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد ورد في الحديث انهم ما صاموا لهم ولا صلوا وانما أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم وهؤلاء قلدوا محمد بن عبد الوهاب في كل ما يقوله فحرم عليهم حلالا كالتشفع والتوسل بذوي المكانة عند الله ونحو ذلك وحلل لهم حراما وهو سفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم واعراضهم فاتبعوه بدون تحقيق ولا تمحيص للأدلة حتى كان كلامه وحي منزل وهو ممن يجوز عليه الخطا وأدلته التي يستدل بها كلها ضعيفة واهية كما بيناه في هذا الكتاب وهم يأخذونها بالقبول ولا يقبلون عليها ردا ولا في مقابلها دليلا ولا يحيدون عنها قيد أنملة ولا يزيدون عليها ولا ينقصون منها كلمة واحدة ويتوارثها آخرهم عن أولهم بلفظ واحد ومعنى واحد ويسمون أنفسهم بالسلفيين أي انهم اتباع السلف وإذا أورد لهم شيء من أقوال السلف يخالف معتقدهم لا يتحاشون من نسبة قائله إلى الشرك والكفر ويقولون مقتدانا الكتاب والسنة فهم في خطا على الحالين فان أقوال السلف ليست وحيا منزلا ولا أصحابها معصومون من الخطا حتى نقلدهم على كل حال وإذا جاز تقليدهم فما بالنا نقلدهم تارة ونكفرهم أخرى وستعرف في الفصول الآتية مخالفة السلف للوهابيين في الشفاعة والتوسل وزيارة القبور والبناء عليها وغير ذلك مما تجده في تضاعيف هذا الكتاب ( وأما ) ما تضمنه الكتاب المذكور من الحديث القائل ان الفرقة الناجية هي من كان على مثل ما كان عليه الرسول ص وأصحابه فهو من البديهيات والضروريات التي لا تحتاج إلى الاستدلال بالأحاديث وإطالة الكلام إذ لا شك في أن متبع النبي ( ص ) ناج ومخالفه هالك والا لم يكن نبيا وقد قال الله تعالى : ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) وما كان عليه النبي ( ص ) هو دين الإسلام وأصحابه اقتدوا به واتبعوه عليه فالميزان في الحقيقة هو ما كان عليه النبي ( ص ) فقط لأن اتباع أصحاب النبي ( ص ) المتبعين له اتباع له ( ص ) وان خالفوه لم يجز اتباعهم وأي مسلم يشك في وجوب اتباع النبي ( ص ) دون غيره اللهم انا لا نتبع الا طريقة رسولك وسنته وتبرأ إليك ممن خالفها ولو ظهر لنا ان الاستغاثة والتشفع والتوسل بذوي المكانة عندك وتعظيم قبور الأنبياء والصالحين تخالف سنة نبيك ( ص ) لكنا أول من تبرأ منها وهذا ليس محلا للكلام ولا محطا للأنظار وانما محل الكلام معرفة ما كان عليه النبي ( ص ) واتبعه عليه أصحابه فقد وقع الاختلاف الكثير فيه بين المجتهدين وعلماء المسلمين فما أثبته هذا نفاه ذلك ( وكل يدعي وصلا بليلى ) وكل يقول إن قوله هو ما كان عليه الرسول ( ص ) وأصحابه ولا يوجد من يقول اني لا اتبع ما كان عليه الرسول ( ص ) وأصحابه بل الصحابة أنفسهم اختلفوا في مسائل عديدة ليس هذا محل تفصيلها وستعرف ان الاستغاثة بذوي المكانة طلبا لدعائهم والاستشفاع بهم اليه والبناء على القبور والصلاة عندها سيرة المسلمين خلفا عن سلف وسيرة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وقد اعترف صاحب الكتاب بحجية إجماع السلف الصالح وان الأمة لا تجتمع على ضلالة وتقييده الأمة بالمتبعين للسنة لا يظهر له معنى ولا فائدة إذ لا يوجد مسلم تظهر له سنة رسول الله ( ص ) ويقول لا اتبعها وانما أراد بذلك ان يحفظ لنفسه خط الرجعة فيحصر اتباع السنة بالوهابيين فقط حينما يحتج عليه أحد بإجماع الأمة وانى له ذلك
--> ( 1 ) ولا موحد الا الوهابيين فلا شفاعة الا لهم .